قصة شخص لا يشيب - الجزء 1 - قصص عربية قصيرة - أنامل عربية - 2024

قصة شخص لا يشيب، تدور أحداث القصة حول موظف العلاقات العامة في إحدى الشركات 


قصة شخص لا يشيب -2024
قصة شخص لا يشيب ( نوال)


قصة شخص لا يشيب وأول يوم في الشركة

دخل عمله لأول يوم بكامل هندامه. رأته السكرتيرة من بعيد، إنه شاب أربعيني قوي البنية. تبدو عليه ملامح القوة

 وفي بريق عينيه يكمن الحذر. يمنح الكلمات وزناً رتيباً وتكمن الحكمة الحقيقية في عفويته. يتلفت حوله كثيراً كأنه

على استعداد تام لاعطاء كل ذي حق حقه من الاهتمام والحوار. 

يلبس ثياباً خالية من عبث الموضة لكنها كلاسيكية ومتناسقة لا يشوبها عيب. 

جلس على الكرسي جوار مكتبها واجرى لمساته الأخيرة على ربطة عنقه ثم التفت إليها وابتسم. تظاهرت أنها لا تراقبه لكنه كان يراقب مراقبتها له ويقرأ ما يدور في ذهنها من أسئلة! 


أجاب على سؤال لم تسأله بإجابة لا يبدو أنه يؤمن بها:


- المظهر يلعب دوراً كبيراً في المقابلات لا تخافي أنا فقط مرتبك. 

 

أدركت نوال أنه قد اصطاد سؤالها حول كثرة تلفته على الرغم من اتصافها بين موظفي الشركة بالغموض. 


وبمناورة أجابته وهي تقلب أوراقاً أمامها لا تحتاجها في شيء لتبدو منهمكة في الانشغال عنه:


- خذ راحتك واعتبر المكتب مكتبك.. المدير ليس بتلك الشخصية المتعجرفة لا تقلق.

 

قصة شخص لا يشيب - 2024
قصة شخص لا يشيب (عماد)

جاء دوره في المقابلة فنهض سريعاً لا يبدو عليه الارتباك وقال لها قبل أن ينصرف:


- عفواً انتِ تمسكين بملفي آنسة! 


شعرت بالخجل لكنها تداركت الموقف معللة:


- حسناً أوراقك كاملة. 


أطلق ابتسامة فحواها (أنتِ تكذبين) ثم أخذ أوراقه وانصرف. 

توقعت السكرتيرة نوال مسبقاً أنه من سيحوز على 

الوظيفة. 

اقتربت منها موظفة الأرشيف نورة وهمست في أذنها:


- إنه الموظف الرابع حتى الآن الذي يقابل المدير.. لكنه لم يعجبه أحد منهم فهل سيعجبه هذا العجوز لوظيفة 

تتطلب بالدرجة الأولى لىشخصاً لبقاً ونشيطاً! 


لكن السكرتيرة نوال كان لها رأياً آخر:


- صدقيني أن هذا العجوز هو من سيحوز على الوظيفة.


علقت نورة ساخرة:


- هل نزل عليكي الوحي مثل كل مرة! 


ضحكت السكرتيرة نوال ولم تكترث بسخرية الموظفة وأجابت بثقة:


- هذه المرة  وجبة غداء.

 

قصة شخص لا يشيب - 2024
قصة شخص لا يشيب (أرشيفة)


خافت نورة وحملت أوراقها وغادرت المكتب بسرعة وهي تردد ضاحكة:


- لا... لن أراهنك على شيء,أعرفك مشعوذة وكلامك يربح دائماً.


وخرج مدير الشركة ومعه الموظف الجديد يتحاوران وكأن صداقةً قد بدأت للتو وأشار إلى السكرتيرة بملفٍ كامل 

فيه بيانات الموظف الذي تم قبوله أخيراً. 

 

قصة شخص لا يشيب و الامتحان الحقيقي 


اخذت السكرتيرة نوال الملف وأسرعت به إلى مكتب موظفة الأرشيف نورة التي كانت منشغلة في ترتيب 

الأرشيف وفق نظامٍ جديد. 

وقفت نوال في باب مكتبها وهي تلوح بملف التوظيف دون تلفظ ببنت شفة. 


نهضت نورة من مكانها وعبرت عن صدمتها, تكاد تثقب الملف بنظراتها:


- لا تقوليها! 


 أكدت نوال بثقة:


- نعم.. هو.. آنسة أرشيفة.


جلست أرشيفة كما تدعوها صديقتها نوال وهي تُتمتم بحنق بأسلوب فكاهي مضحك:


- سبع سنوات في الأرشيف قضيتها حتى صرت أرشيفة ويأتي هذا العجوز ليأخذ وظيفة علاقات عامة ويحوز 

على راتب أربعة أضعاف راتبي!


كانت نوال تضحك مستلطفةً لنورة ولتصرفاتها الصبيانية المضحكة وهي تدمر الأرشيف في محاولة فاشلة لترتيبه 

مرددةً:


- أرشفي يا أرشيفة.. والله أني خفيفة الظل لكن حظي لا يتفق معي.


عاد المدير من استراحته القصيرة وطلب من نوال تجهيز المكتب للموظف الجديد عماد. 

أسرعت نوال واعطت الأستاذ عماد مفاتيح المكتب وأخذت تطلعه على تفاصيل العمل وبعض المهام المستعجلة التي يجب عليه القيام بها.

 

لاحظت نوال وللوهلة الأولى سرعة استيعابه واستقباله للمهام الكثيرة, بل أنها كانت تلقي بها مبعثرة فيقوم 

بتصنيفها وترتيبها لتبدوا تلك الجمل المحفوظة أمام دقته في التلقي جملاً قافرة من الاتقان خالية من الروح!


كانت أرشيفة تراقب الموقف من البهو بفضول وحالَ خروج نوال من مكتب عماد علقت:


- يبدو أنه منظم في عمله.. على الأقل لن يتعبني في الأرشفة.

 

ضحكت نوال وأكملت طريقها إلى مكتب المدير. 

دخلت نوال إلى مكتب المدير لتطلعه على بعض تفاصيل العمل وأخبرته بأنها توقعت اختيار الموظف عماد. 

سألها المدير عن سبب توقعها فأجابت:


- يبدو شخصية متجددة كالنهر لا يشيب.


وقع المدير على الأوراق المطلوبة وتأمل في كلامها ملياً ثم عقب عليه قائلاً:

 

- لم تكن هنالك أي مقابلة، لقد دخل الرجل وقبل جلوسه على الكرسي حدث خلل في جهاز الحاسوب، فعزف عن

الجلوس وبدأ في إصلاحه... وأثناء إصلاحه للحاسوب كان يشرح لي بطريقة واضحة وسلسة عن سبب العطل الذي

طالما أتعبني في الحاسوب.


قصة شخص لا يشيب - 2024
قصة شخص لا يشيب 


استغربت نوال من الموقف وقالت للمدير:


- لقد أجاب على سؤال دار في ذهني, إنه شخص مخيف! 

 

سكت المدير قليلاً كأن حديثها قد أكد ما شعر به هو, ثم أضاف:


- هذه هي.. فلم أتصور في يوم من الأيام أني سأفهم مسألة في أمور هندسية, لكنه استطاع أن يشرحها لي بأسلوب 

يتفق مع طريقة تفكيري  لهاذا فهمت وتغيرت وجهة نظري في نفسي... أعتقد أن هذا هو من نبحث عنه!


وفي اليوم التالي جاءت عاملة التنظيف في الشركة تطلب من نوال أن تتصل بأحد السباكين إثر خلل ما في مواصير دورة 

المياة, فترك عماد متكبه سريعاً ليسأل عن المشكلة.


فطلبت منه نوال على استحياء أن يخرج هو ليأتي بأحد المتخصصين في إصلاح تلك الماصورة

لكنه أسرع وكأن الأمر يعنيه وبأسلوب عفوي جداً, خلع سترته وشمر ذراعيه وانطلق باتجاه دورة المياه! 


ظلت العاملة تراقبه باهتمام وكأن نقطة ما قد جمعتهم, فأغلق المحبس الرئيسي ثم طلب منها أن تأخذه إلى مخازن الشركة 

الخاصة بالخردة البالية. 

أخذته عاملة التنظيف إلى المخازن وأخذ يبحث ويبحث حتى عثر على بعض الأنابيب 

البلاستيكية. 

دار بينه وبين عاملة التنظيف نقاش طويل وهو ينتقي القطع الخاصة, ثم أخذ قطعة منها وقام بقطعها وطلب من العاملة 

أن تناوله مفتاحاً خاصاً بالمواصير وأزال القطعة المكسورة ثم جلس بهدوء وتركيز خارج دورة المياه وقام بتوصيل 

أنبوباً بلاستيكياً كبديلٍ للقطعة المكسورة ثم عاد وقام بتركيبها من جديد! 


قصة شخص لا يشيب - 2024
قصة شخص لا يشيب 


لم تعد قطرة من الماء تتسرب بعد ذلك الإصلاح المتقن..! 


كان الموظف فؤاد يراقب المشهد خارج دورة المياه ينتظر انتهاء العمل فيها ليدخل. 

ولما خرج عماد مسرعاً إلى مكتبه يعيد ترتيب قميصه همس فؤاد للعاملة ساخراً قبل دخوله:


- وسباك أيضاً! 


كان أحد المتقدمين إلى الوظيفة هو أحد أخوان فؤاد وكان فؤاد يجزم أنه الأجدر بها فهو يمتلك لباقة في الحوار إلى 

جانب مظهره الأنيق وظلاعته في اللغة الإنجليزية, لكنه فوجئ بالمدير يفضل هذا الرجل الكبير في وظيفة تتطلب نشاطاً 

ومهارة ومظهر ولباقة. 


كانت الشركة كلها تتحدث عن مهارات عماد المتعددة في أشياء متفرقة لكنه غيرمبرر لتوظيفه في وظيفة 

حساسة كتلك من وجهة نظرهم! 


فعماد هو من سيلتقي بالعملاء ويقنعهم وينظم كل علاقات الشركة, فهل سينجح رجل لا يتكلم إلا نادراً في تلك الوظيفة! 


كان فؤاد يتهكم باستمرار عليه مبرهناً على عشوائية الاختيار قائلاً:


- عماد شخص نافع فإن مرض عميل من عملاء الشركة ستكتشفون أنه يجيد ضرب الحقن بل ويحدد الدواء أيضاً. 


لكن عماد كان يتظاهر بالبراءة بمهارة مقنعة, حتى بدى للجميع لا يعلم بكره فؤاد له وغيرته الشديدة منه وكان يتعامل 

معه بعفوية مطلقة. 


وفي أحد الأيام, حدد المدير يوم الأربعاء لتعقد الشركة فيه إجتماعاً مهماً وهدد من سيتغيب بخصم ثلاثة أيامٍ من مرتبه 

لأهمية الاجتماع. 


قصة شخص لا يشيب وأول اجتماع في الشركة

جاء فؤاد يوم الاجتماع وهو مصاب بالحمى يعير الأرض خطوات خجولة فسألته نوال:


- لماذا لا تغيب وتعتذر؟ 


فأجابها بما سيقوله المدير:


- الحمى دائماً تأتي لتخلصك من المساءلة.


سكتت نوال قليلاً ثم قالت بتعجب:


- غريب أمر هذه الحمى التي تاتيك حقاً مع كل أمر طارئ.


فجلس متعباً منهكاً وهو يتمتم:


- لذلك جئت.. لكي لا أتهم بالتمثيل مثل كل مرة.


واسند رأسه إلى الحائط وأقبل عليه عماد يحدق في وجهه:


- ما الخطب؟ 


تجيب نوال:


- مريض جداً.


وضع عماد كفه على جبين فؤاد وسأله:


- هل هو برد! 


فدخلت أرشيفة بصوت صاخب:


- مريض كالعادة.


التفت إليها عماد بينما تجاهلها فؤاد منشغلاً بإعيائه:


- كيف كالعادة! 


فأخذت نورة تطلق النكات القاسية:


- إنه متصاحب مع الحمى, متفق معها, تأتيه في كل اجتماع لتمنحه وسام الراحة لينجو من توبيخ المدير ومساءلته ونأكل الوليمة وحدنا.


فهم عماد سبب الحمى وخرج مسرعاً وعاد ومعه دواء ومشروب الزهور الدافئ. 


شرب فؤاد الدواء, ثم أخذ يشرب المشروب الدافئ ودخل عماد يعد أوراقه في مكتبه فأردف فؤاد بصوت منخفض:


- هل هنالك من يحتاج إلى مدرس خصوصي لأبناءه أيضاً.


أشارت إليه نورة أن يخفض صوته بإشارة تعني أن أذنا عماد كبيرتان ويلتقطان دبيب النمل. 

ضحك فؤاد على الرغم من وهنه ونهض وقد بدى عليه التحسن وحضر المدير مسرعاً يطلب من الجميع الدخول إلى 

مكتبه.


 ...يتبع


انقر هنا لقراءة الجزء الثاني



رأيك يهمنا

أحدث أقدم