
حبات اللؤلؤ المنثورة

قصة حبات اللؤلؤ المنثورة
رجاء فتاة حالمة قد بلغت من العمر ما جعلها ناضجة ، ولو أن النضج لا يمكن أن يحدد برقم معين ،بل بكَمِّ التجارب التي مرت عليك فجعلتك فيلسوف زمانك تنطق بالحكمة والموعظة الحسنة .
دخلت رجاء معترك الحياة من بابه الواسع حاملة سيفا وتقاتل، لقد كان سيفا خشبيا فيكسر من أول ضربة ،لكنها رغم ذلك خاضت به حروبها وكأنه سيف من سيوف المقاتلين الفرسان .
- انتظري رجاء سنذهب معا للمدرسة ..
استدارت رجاء لترى رفيقة دربها سناء قادمة بخطى مسرعة ،لقد كانت تزين شعرها بشريط أصفر ،وترتدي حذاء أيضا فاقعا لونه يسُرُّ من رآه .
يقولون أن الأصفر رمز الغيرة، ولم تكن الفتاتان ببراءتهما تدركان مثل هذه الدراسات النفسية، فهي للكبار ولم يعلموها لهم في المدرسة .
توقفت رجاء وانتظرت إلى أن لحقت بها صديقتها سناء، تبادلتا التحية وتعانقتا بدفء غامر.
قالت رجاء : اللون الأصفر جميل جدا إنه يليق بك ،وذلك الشريط يلمع وقد أخذ من شعاع الشمس حظا عظيما .
ردت سناء : "شكرا لإطرائك تعرفين ولعي باللون الأصفر ،لكن عقدك قد أخذ كل الأضواء إنه جميل جمالا منقطع النظير".
قصة حبات اللؤلؤ المنثورة هندما شُدت
وفي الحين مدت سناء يدها وهي تتلمس العقد ،وشدته شدا قويا فانفرطت حباته على الأرض تتراقص في طرب
موجع، وفي لمح البصر لم يعد هناك عقد، اختفى وتلاشت معه كل الفرحة العارمة، والذكريات الجميلة.
- لماذا فعلت هذا...؟!
صرخت رجاء وهي تبكي بشدة .
![]() |
حبات اللؤلؤ المنثورة |
نظرت سناء في حيرة ولم تدر ما ترد، فقد أفسدت العقد بناء على تلك الرغبة الدفينة التي لم تعرها اهتماما ،ولم تعرف أنها بذرة ستنمو مع الأيام لتجعل حياتها نارا محرقة .
انحنت رجاء بيديها العاريتين تلم حبات اللؤلؤ المنثورة ، التي اختلطت بحبات لؤلؤ أخرى من عينيها الرائعتين، وكأنها تجمع هذا بذاك في مفارقة عجيبة، قاس ورقراق فواسى هذا حزن ذاك.
أقرأ أيضًا :"خاطرة نحن والحياة خواطر إجتماعية".
أمسكت سناء يدها بيدها الأخرى وجذبتها لصدرها وكأنها تقول لرجاء: هذه اليد طاشت وفعلت ما لم آمرها به .
لكن في الحقيقة أن تمتد اليد فتفعل، فهناك بالتأكيد أمر مغلف مبطّن هناك في الأعماق نائم. وفي الحين سارعت
لمساعدة رجاء في جمع الحبات المتناثرة، وكأنه ضمير الطفولة الذي يطفو على السطح في كل مرة ، فلربما قصدت أم لا إفساد عقد اللؤلؤ ،لكن كيف يمكن الجزم،
فالصغار يتصرفون بعفوية وطلاقة، ولا يعلمون شيئا عن الأحكام المسبقة المدروسة، التي لا يفهمها الآخرون إلا وفق ثقافتهم وبيئتهم ،إذًا ستكون الأحكام بالتأكيد جائرة.
قصة حبات اللؤلؤ المنثورة وتأمل حباته
واستعادت ذكراها الأليمة وهي تتأمل تلك الحبات الوحيدة مثلها تماما، فازدادت دموعها غزارة حتى شهقت من شدة
البكاء، أما سناء فبقيت في مكانها تناظرها ،فبكت لبكائها رغما عنها فالمشهد كان أكثر من مؤثر.
اقرأ ايضا خاطرة قالت الانثى للرجل
أمضت رجاء كل الوقت صامتة مطرقة، كانت وكأنها ليست في الصف ،ولم تكن تحس بما يجري من حولها وكأنها في عالم آخر .
عند انتهاء الدرس دق جرس المدرسة فخرجت مسرعة تطوي الطريق طيّا ،إلى أن وصلت إلى المنزل ،دخلت
واتجهت مباشرة إلى غرفتها في آخر الرواق وأغلقت الباب بقوة، وهناك أطلقت العنان لتلك المشاعر ،بكت بحرارة ،بصوت عال فيه الكثير من الشوق والحنين والألم.
- أمي ..كم أشتاق إليك ،ليتك هنا معي ،ماذا أفعل الآن فعقدك الثمين قد أصبح هو أيضا مجرد ذكرى في ذكراك .
- أمي الحبيبة ....آه يا أمي الحبيبة
بقيت على هذا النحو تناجي أمها وتشكي مصابها إلى أن غلبها النوم والدموع في عينيها، ولم تستيقظ إلا على صوت الباب يدق بقوة ، وصوت آخر يناديها.
- إفتحي يا رجاء... إفتحي الباب
فتحت رجاء الباب فإذا بأبيها يسارع ويحضنها.
- هل أنت بخير يابنتي؟!
- إني أدق الباب منذ وقت طويل لكنك لم تجيبي...حسبت أن مكروها أصابك .
نظرت رجاء إليه واغروقت عيناها بالدموع...
- أبي عقد أمي... لقد ضاع..
- لا بأس ،سنبحث عنه ونجده..
- لا يا أبي لقد انقطع، أفسدته سناء !
- حسنا يا ابنتي اهدئي واحكي لي ماحصل . حكت رجاء لأبيها القصة وكل ما حدث ،ضمها أبوها لصدره، وهدّأها
وطمأنها أنه يمكن إصلاح العقد، وسيرجعه لسابق عهده، أما سناء فلربما لم تقصد ما فعلت، فلا يجب أن نظلم الآخرين بناء على بعض من ظنوننا .
- أعطني الحبات المتبقية سنأخذها للصائغي وهو سيعيد تشكيله من جديد.
- أحقا يا أبي .قالت رجاء وهي غير مصدقة .
- نعم يا بُنيّتي حقا ....لا تحزني
انفرجت أساريرها وابتهجت ،وأخرجت ضحكة الأطفال المدوية ، تلك الضحكة التي تحكي لنا كم هم بسطاء ،قليل أشياء تحزنهم، وقليلها أيضا يفرحهم .
قصة حبات اللؤلؤ المنثورة ومقولة الذاهب
أتعرفون مقولة الذاهب لا يعود، لم تصدق هذه المرة ، فما راح يمكن أن يعود ،قد يعود بصبرنا، بتحملنا ، ببذلنا جهدا
في سبيل استعادته إن أصلحناه أو منحنا أنفسنا فرصة، أو تريثنا في أحكامنا، يمكن استعادة المفقود بعدة طرق ،وحتى إن لم يكن هو فلا بأس بما يشبهه، بما يهدينا الذكرى ويجبر خواطرنا، وبما يعيننا على الحياة ولو لحين.
لقد عاد إليها العقد من جديد ،فاطمأنّت وسكن قلقها وخوفها، إنه الأمان بجانب الذكريات فقط، فبعض الذكريات تلخص لنا الحياة بأكملها ،بعض الذكريات تأخذ بأيدينا وتوصلنا بر الأمان بسلام.
رجاء بدأت حياتها للتو، حياة لا فقدان فيها للأمل ،فالأمل هو ما يضيء حياتنا ،هو ما يجعلها تستمر، شئنا أم أبينا
حزنّا أم فرحنا، كان معنا من نحب، أم مضينا ترافقنا الوحدة وتجالسنا الكآبة ، لكنها في كل الأحوال ستكون رحلة صعبة شاقة .
بقلم الأنامل الجزائرية:
"عايدة عمار فرحات"
الغيرة نار تحرق صاحبها احسنت جميلة هذه القصة
ردحذفسلمتي عزيزتي
حذفقصة جميلة احسنتي النشر
ردحذفكل الشكر 👍🏻
حذف